علي بن أحمد المهائمي

291

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

قرب في الذوق من حيث إنّ الصراط إنّما هو للوصول إلى غاية والاستقامة تشعر بالقرب ؛ لأن الخط المستقيم هو أقرب الخطوط المتواصلة بين النقطتين ، ( وَنَسُوقُ ) هذا الشهود ( الْمُجْرِمِينَ ) أي : أهل المعاصي من المؤمنين والكفّار إلى مقام القرب من الحق باعتبار الصفة الجلالية التامة التجلّي في جهنم بمقتضى قوله تعالى : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ [ البقرة : 165 ] . إنّما ساقهم إلى هذا المقام ؛ لأنهم ( هم الذين استحقوا المقام ) أي : مقام القرب من الحق باعتبار التجلّي الجلالي القهري بمقتضى أعيانهم الثابتة الطالبة للقرب من الحق كيف ما كان ، فخصّ المجرمون بهذا المقام ؛ لأنه ( الذي ساقهم ) استحقاقهم ( إليه بريح الدبور التي أهلكهم ) كما أشار إليه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بقوله : « نصرت بالصبا ، وأهلكت عاد بالدبور » « 1 » . وإنّما أهلكهم بها ؛ لأنها نشأت ( عن نفوسهم ) ، فأهلكهم ( بها ) أي : باقتضائها الإهلاك بتلك الريح المناسبة لأهوائهم التي بها يدبرون مطلع الحق ومشرق أنواره الجمالية ، وإن كانوا على الصراط المستقيم بطلب أعيانهم القرب من الحق باعتبار الصفة الجلالية الحاجبة عن نور الجمال ، ( فهو يأخذ بنواصيهم ) لتذهب بهم إلى ما يناسبهم من قرب الحق من الصفة القهرية الجلالية ، ( والريح ) تساعده في ذلك الإيصال تعجيلا فيه ، فهي ( تسوقهم ) من حيث مناسبتها لصفاتهم ، ( وهي الأهواء التي كانوا عليها ) ، وكانت شاغله لهم عن التوجه إلى مشرق أنوار الجمال الإلهي ، فهي تسوقهم ( إلى جهنم ) ؛ ذلك لأنها ( هي البعد الذي ) يقتضيه التباعد عن الحق ، لكنها لبست ببعد مطلقا ، وإن ( كانوا يتوهمونه ) بعدا مطلقا ، وإنّما هي بعد عن الصفات الجمالية ، وهي عين القرب من الصفات الجلالية . ( فلما ساقهم إلى ذلك الموطن ) « 2 » من جهنم مع كونه على الصراط المستقيم ( حصلوا في عين القرب ) الذي هو مقصد السير على الصراط المستقيم ، لكنه قرب من تجلي الجلال الموجب العذاب لا من الذات ؛ فإنه مستصحب أبدا ، فهو كقرب العبد الأبق الجاني إذا ورد إلى مولاه مقيدا مشدودا ما بين كتفيه من ورائه ، ( فزال ) في نظر هذا الشهود من حيث هو مقصد السير على الصراط المستقيم ( البعد ) على الإطلاق ، وإن كان بعدا عن تجلّي الصفات الجمالية بحسب ما غلب عليهم من الأهوية ، ( فزال مسمى جهنم ) إذ مسماها الحقيقي هو البعد المطلق عن الحق فيما يتوهم ، وقد زال ذلك وإن بقي اسمها

--> ( 1 ) رواه البخاري ( 1 / 350 ) ، ومسلم ( 2 / 617 ) . ( 2 ) بريح الدبور التي كانت صورة أهوائهم .